القاضي عبد الجبار الهمذاني

122

تثبيت دلائل النبوة

يظنه ماء فغبّ فيه فلما وجد مرارته مجه فسعطوه به وعذبوه يومه وليلته « 1 » . فلما كان من الغد وهو يوم الجمعة الذي يسمونه جمعة جشا سألوا فيلاطس ضربه بالسوط فضربه ، ثم اخذوه وصلبوه وطعنوه بالرماح وما زال يصيح وهو مصلوب على خشبة يا إلهي لم خذلتني يا الهي لم تركتني ، إلى أن مات ونزلوا به ودفنوه « 2 » . وادعى اليهود والنصارى العلم بذلك والمعاينة والمشاهدة ، وانهم قد تلقوا ذلك الجمهور « 3 » عن الجمهور ، والأمم عن الأمم ، وصار النصارى خاصة يسخرون من المسلمين إذا قالوا ما كان هذا من شيء ، ويقولون : أي فائدة لصاحبكم في مكابرة الأمم المجمعة على ذلك ، وقد سبقوه وكانوا قبله ، وهم أهل هذا الرجل وأصحابه ، وبينهم ولد ، ومعهم نشأ ، وقد أجمع على ذلك عدوه من اليهود ووليه من النصارى ، فأنكر نبيكم . وهل هذا إلا كما قيل : رضي الخصمان وأبى القاضي . فنظر أهل العلم في قوله صلّى اللّه عليه وسلم ، فإذا هو قد اخبر انهم قد قالوا ذلك وهم لا يعلمونه ، وما معهم علم به ولكنه ظن يظنونه ، فإذا الامر كما قال وكما اخبر ، والعلم بأن الاعتقاد هو علم أو جهل أو ظن لا يعلمه إلا من قد صحب المتكلمين والنظارين وانقطع إلى صنعة الكلام ومهر فيها وكدّ ، وهذا رجل متكلف ، فيعلم انه ما علم هذا إلا بالوحي من قبل اللّه وهذا من آياته العجيبة .

--> ( 1 ) جاء في إنجيل يوحنا الأصحاح 19 : « فلكي يتم الكتاب قال : انا عطشان ، وكان اناء مملوءا خلا فجاءوا بسفنجة من الخل ووضعوها على زوفا وقدموها إلى فمه » . ( 2 ) جاء في إنجيل متى ، الأصحاح 27 : « نحو التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا : ايلي ايلي لما شبقتني ، اي الهي الهي لما ذا تركتني » . وفي إنجيل مرقس الأصحاح 15 : « صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا : الوي الوي لما شبقتني ، الذي تفسيره الهي الهي لما ذا تركتني » . ( 3 ) في الأصل : عن الجمهور